فصل: الشبهة الأولى:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: المدخل لدراسة القرآن الكريم



.مميزات القسم المدني:

1- التحدث عن التشريعات التفصيلية والأحكام العملية في العبادات والمعاملات كأحكام الصلاة، والصيام، والزكاة، والقصاص، والنكاح، والطلاق، والبيوع والمداينات، والربا، والحدود كحد الزنا، والسرقة، والكفارات؛ ككفارة القتل الخطأ والظهار، والأيمان، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه السور المدنية كما في سورة البقرة والنساء والمائدة والنور؛ وذلك لأن حياة المسلمين في المدينة بدأت في الاستقرار وأصبح لهم كيان ودولة وسلطان، ومن شأن الجماعة التي لها رابطة تربطها أن تكون في مسيس الحاجة إلى تشريع يتكفل بما تحتاج إليه في دينها ودنياها، وأيضا فالتشريعات العملية مرتبطة بسلطان الحكم التنفيذي فلا تشريع لمن لا يملك حكم التنفيذ فمن ثم جاءت التشريعات المدنية على ما ذكرنا.
2- محاجة أهل الكتاب وبيان ضلالهم في عقائدهم التي ضاهوا بها أسلافهم من زائغي الأمم السابقة كقولهم بالتثليث أو الحلول أو الأبنية أو الصلب، والإنحاء عليهم باللائمة؛ لتحريفهم كتبهم ولاسيما البشارة بالنبي الأمي المبعوث في آخر الزمان، وتغيير بعض الأحكام التي لا تلائم أهواءهم واتخاذهم هذا التغيير وسيلة لابتزاز أموال الناس بالباطل؛ فاليهود قالوا عزير ابن الله، والنصارى غلوا في عيسى فقال بعضهم: إنه الله، وقال بعضهم: ابن الله، وقال آخرون: ثالث ثلاثة، تعالى الله عما يقولون علوّا كبيرا.
وغيّر اليهود الرجم إلى الجلد أو تسخيم الوجه والتشهير طمعا في المال أو الزلفى إلى الأشراف وقد جادلهم القرآن بالحسنى والحجة الدامغة والمنطق السليم، وذلك كما ترى في سورة المائدة، وآل عمران، والبقرة، والنساء، والتوبة.
3- بيان ضلال المنافقين وإظهار فضائحهم والكشف عن خبيئة نفوسهم وإظهار ما بهم من سوء الطباع والجبن والهلع وأنهم لا يبتغون إلا عرض الحياة الدنيا ولا يهمهم أمر الإسلام ونصره كما في سورة البقرة والتوبة التي ما زالت تقول: ومنهم، ومنهم حتى فضحتهم، وقد أنزل الله سورة من المفصل في شأنهم وهي المنافقون.
4- قواعد التشريع الخاصة بالجهاد، وحكمة تشريعه، وذكر الأحكام المتعلقة بالحروب، والغزوات؛ من الصلح، والمعاهدات، والغنائم، والفيء وفك الأسارى، وذلك كما في سورة البقرة، والأنفال وبراءة والقتال والفتح والحشر.
5- طول أكثر آياته وسوره لاشتمالها على الأشياء السابقة، وهي تقتضي البسط والإطناب وإطالة النفس كما أن أهل المدينة لم يكونوا في درجة أهل مكة في البلاغة والفصاحة ولاسيما اليهود الذين كانوا يساكنوهم في المدينة، فكان الحال باعثا على الإطالة، والإطناب في مقام الإطناب لازم، والإيجاز في مقام الإيجاز واجب، ووضع أحدهما مكان الآخر ليس من البلاغة في شيء، وقد سلك القرآن كلتا الطريقتين مع كونه في أعلى درجات البلاغة والفصاحة.

.الشبه التي أثيرت حول المكي والمدني:

اعتاد الملاحدة والمنصرون وأعداء الإسلام أن يتلمسوا المطاعن في القرآن، وغرضهم بذلك التشكيك في القرآن وقداسته كي يتوصلوا إلى هدم الإسلام وإضعاف المسلمين بصرف أنظارهم وقلوبهم عن القرآن الذي هو أصل الدين ومنبع الصراط المستقيم، ولما كانوا يصدرون في هذه الطعون عن هوى متبع وعصبية دينية ممقوتة فقد جافاهم الحق والصواب.
ومما يؤسف له أن بعض الذين تسموا بأسماء المسلمين، وصنعتهم أوربا بيديها وربتهم على عينيها ومن على شاكلتهم ممن لم يتعمقوا في الدراسات الإسلامية قد استهوتهم هذه الأباطيل فصاروا ينشرونها ويذيعونها في دروسهم، وقد حمل كبر هذا الإفك أديب معروف كان يدرس الأدب بالجامعة المصرية حقبة من الزمان، وقد تلقف هذا الأديب هذه الأباطيل مما كتبه المستشرقون والقسس وإن كانوا- والحق يقال- كانوا أعف منه في بعض الأحيان!! ومن عجب أن يسوق هذه الطعون على أنها من بنات أفكاره ومبتكراته فكان كلابس ثوبي زور، ومن عجب أيضا أن يعتبر هذا التجني على القرآن العظيم حرية في البحث، وجراءة في التفكير فيقول: لا شك أن الباحث الناقد، والمفكر الجريء الذي لا يفرق في نقده بين القرآن وبين أي كتاب آخر.... إلخ ما قال. ولمن يلقي هذا الكلام لطلاب لم يعرفوا من الدين إلا قشورا، ومن اللغة العربية إلا حظا يسيرا ثم يطلب إليهم أن ينقدوا كتاب العربية الأكبر الذي خرت لبلاغته جباه البلغاء، وخرست عن معارضته ألسنة الفصحاء من كل جنس، وفي كل عصر، وكيف يتهيأ لمن لا يكاد يبين أن ينقد كتابا عربيّا مبينا وقد قيض الله لهذه الشبه من علماء الأمة الذين تذوقوا بلاغة القرآن ووقفوا على أسرار إعجازه من زيفها على أساس من المنطق السليم، والحجة الدامغة والحق الظاهر، والواقع التاريخي الثابت.
وهذه الطعون- فضلا عن كونها كفرا دينيّا- هي كفر بقواعد البحث العلمي الصحيح التي طالما تمسحوا بها، وأكثروا من ترديدها في كتاباتهم، ومحاضراتهم وسنقصر ردنا على ما يتعلق بالمكي والمدني من القرآن.

.الشبهة الأولى:

قال: إن القسم المكي يمتاز بتقطع الفكرة، واقتضاب المعاني، وقصر السور وقصر الآيات، وأما القسم المدني فهو طويل السور طويل الآيات وأفكاره منسجمة متسلسلة، وعزا ذلك إلى تأثر محمد صلى الله عليه وسلم بالبيئة؛ فأهل مكة قوم أميون لا يقدرون على إنشاء العبارات الطويلة، أما أهل المدينة فهم أهل كتاب أو متصلون بأهل الكتاب لهم قدرة على إنشاء العبارات الطويلة، وغرضه التشكيك في أن القرآن من عند الله سبحانه.
وللرد على هذه الشبهة نقول:
1- إن القول بأن القسم المكي يمتاز بتقطع الفكرة واقتضاب المعاني بخلاف القسم المدني قول من لم يتمعن في القرآن، ولم يعن بدراسته، ومن يرسل القول على عواهنه، ولم يأخذ من اللغة العربية وأسرارها وآدابها بحظ وافر، أما من قرأ القرآن قراءة باحث مستبصر غير ذي هوى ورزق التبحر في اللغة، والوقوف على أسرار البلاغة فإنه يصل ولا محالة إلى علم اليقين في هذا؛ وهو أن القرآن كعقد منظم تناسقت حباته، وتآلفت لآلئه، ونظم في سلك من الذهب الخالص، والقرآن كله- مكيه ومدنيه- معانيه متآلفة، وأفكاره منسجمة وآياته متآخية آخذ بعضها بحجز بعض، لا تنقطع آية عن سابقتها ولاحقتها، لا ينفر معنى من آخر، ولو أن هذا الناقد تناول بعض السور المكية وبين لنا بطريقة فنية ما فيها من اقتضاب وتفكك لبينا له ما فيها من ترابط وتماسك، ولظهر وجه الحق لذي عينين، أما وقد أرسلها قولة مجردة فهي لا تخرج عن كونها دعوى عارية عن البرهان.
وقد عني العلماء المحققون في القديم والحديث ببحث المناسبات بين الآي والسور وأتوا في ذلك بالعجب العجاب، وقد اشتملت بعض كتب التفسير وكتب البلاغة وأسرارها في ذلك على شيء كثير، وألف بعضهم في ذلك كتبا مستقلة كما فعل البقاعي في كتابه لقط الدرر في تناسب الآي والسور، والسيوطي في كتابه أسرار التنزيل وبحسبنا هذا الإجمال الآن، وعسى أن تكون لنا عودة للبحث التفصيلي في موضعه إن شاء الله.
2- أن طول الكلام وقصره تابع لمقتضى الحال الذي هو عماد البلاغة العربية، وليس تابعا للبيئة ولا الوسط، وقد بينت آنفا السر في سلوك القرآن الكريم العبارات القصيرة حينا والطويلة حينا آخر، فكن على ذكر منه.
3- القرآن الكريم قد تحدى العرب قاطبة في بعض السور المدنية كما تحداهم في السور المكية، وقد جاء التحدي في المدينة بسورة مهما قصرت وأما في مكة فقد وقع التحدي بالقرآن كله ثم بعشر سور منه ثم بسورة واحدة أية سورة، فلو أن أهل المدينة- كما زعم الناقد- كانوا أقدر على إنشاء العبارات الطويلة من أهل مكة، وأن القرآن كان متأثرا بهم في الإطالة لكانوا أقدر على معارضته والإتيان ولو بأقصر سورة منه، ولكنهم لم ينبسوا ببنت شفة، ورضوا لأنفسهم السكوت وباءوا بالعجز، بل عجزهم أشد من عجز أهل مكة، ثم أي دارس للأدب تسول له نفسه أن يفضل أهل المدينة على أهل مكة في البلاغة والفصاحة والتصرف في فنون القول والقدرة على إنشاء العبارات!
ومعروف أن قريشا كانت أوسط العرب دارا وأبرعهم في الخطابة والشعر والتفنن في الأساليب، وإليها كان يحتكم العرب في شعرهم ونثرهم، وقد ساعدها على هذا اجتماع العرب في مواسم الحج، والمجامع الأدبية الحافلة، والأسواق السنوية التي كانت تعقد بالقرب من دارهم في عكاظ ومجنة وذي المجاز، فكانوا يتخيرون من لغتهم ما خف على اللسان، وحسن في الأسماع وجاد من الأساليب.